قضية خرق سافر للدستور, لا قضية علم و نشيد

Posted on Posted in Uncategorized

لا همّ يشغل الموريتانين هذه الأيام أكثر من الحديث عن الإستفتاء الشعبي المزمع إجراءه يوم 5 أغسطس 2017, لكن لا يكاد النقاش بين شخصين حول هذا الإستفتاء يبدأ حتى يتحول في وقت سريع إلى جدال حول جدوائية تغيير العلم والنشيد الوطنيين أو حل مجلس الشيوخ أو إلغاء محكمة العدل السامية, فهناك من لا يرى ضرورة في تغيير النشيد الوطني بشكله الحالي وهناك من يرى عكس ذلك. بعضهم يتشبث بالعلم الموريتاني الحالي و لا يريد تغييره و بعضهم يرى عكس ذلك.

 

لكن ما لا يدركه بعض الموريتانيين هو أن قضية الحوار الوطني و ما أفرزته من تعديلات دستورية مقترحة لم تعد موضوع النقاش بعدما رفضها البرلمان الموريتاني, بل إن الأمر أخذ بعدا آخر بعدما قرر رئيس الجمهورية طرح حزمة التعديلات الدستورية المقترحة للإستفتاء, بطريقة تخالف نص و روح الدستور الموريتاني, أي أننا أمام خرق سافر للدستور الموريتاني من طرف رئيس كان أقسم بأن يحترم ذلك الدستور ويسهر على تطبيق القوانين الموريتانية.


يكاد معظم القانونيين الموريتانيين يجمعون على عدم قانونية الاستفتاء المزمع إجراءه, و يرى الدكتور محمد الامين ولد داهي – و هو أحد الفقهاء الدستوريين الذين أشرفوا على إعداد الدستور الموريتاني الحالي – أن المادة 38, و التي استند فيها رئيس الجمهورية على أحقيته في طرح الإستفتاء, لا يمكن أبدا أن تُدرَج في إطار الأمور المتعلقة بمراجعة الدستور الموريتاني, لأن الدستور الحالي بوّب تبويبا واضحا في كل ما له علاقة بمراجعة الدستور و خصص بابا كاملا (الباب 11 ) لذلك. و مع ذلك فإن الرئيس الموريتاني لم يقدم أية مسوغات قانونية يمكن أن تبرر قراره بطرح الإستفتاء على الشعب الموريتاني, سوى القول بأن قانونيين أشاروا عليه بإمكانية الإعتماد على المادة 38 لتمرير قراره.


كثيرون يرون في استفتاء الخامس من أغسطس تبذيرا غير مبرر لمليارات من الأوقية كان يمكن إنفاقها في أمور قد تحسن من حياة المواطنين في وقت يمر فيه الإقتصاد الموريتاني بوضعية صعبة, و يرى آخرون أن التعديلات الدستورية المقترحة لن تنعكس – إذا تم تبنيها – على حياة المواطن الموريتاني بأي شكل من الأشكال, لكن هؤلاء و أولائك, مثلهم مثل المتجادلين بشأن النشيد و العلم قد لا يدركون أن كل تلك الأمور تهون في وجه الجُرم الأكبر, و هو الإنقلاب على الدستور الموريتاني من طرف شخص يُفترض أن يكون الأجدر بالدفاع عنه, كونه رئيس الجمهورية.

كم كنت أتمنى على فخامة رئيس الجمهورية أن يكون انتهز فرصة رفض مجلس الشيوخ للتغييرات الدستورية المقترحة لقطع الطريق على بعض من اتهموه سابقا  بنزعته الدكتاتورية و عدم اكتراثه بالقانون ليُبرهن لهم على تشبثه بالقيم الديموقراطية و يقبل نتيجة التصويت و يطوي الصفحة, لكنه قرر طرح تلك التعديلات للإستفتاء. لست منجما لأعرف نتيجة التصويت, و إن كنت مقتنعا بأن النتيجة ستكون حتما عكس ما يتمنى فخامته, إن تم الإقتراع بشكل شفاف, و السؤال الذي يدور في ذهني أحيانا هو:
هل فكر فخامته في أن النتيجة قد لا تكون في صالحه؟ و ماذا هو فاعل لو أن الموريتانيين رفضوا تلك التعديلات؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *