تسريبات ولد غده و انقلاب السحر على الساحر

Posted on Posted in Uncategorized

مع انطلاقة الحملة الانتخابية التي صاحبت استفتاء الخامس أغسطس, وعد الرئيس الموريتاني شعبه بالكشف “قريبا” عن أدلة تؤكد تورط المعارضة الموريتانية في مؤامرات كانت تهدف من خلالها إلى زعزعة واستقرار الوطن, حسب قوله. انتهت الحملة الانتخابية و لم يتحقق من وعود فخامة الرئيس بالكشف عن تلك الأدلة غير تسريبات منسوبة إلى السيناتور محمد ولد غدّه كان النظام حصل عليها بشكل غير قانوني عن طريق مصادرة هاتفه الشخصي بعد حادث أليم كان السيناتور طرفا فيه.
و بغض النظر عن مضمون تلك التسريبات فإن ما يستحق التوقف حقا هو الطريقة التي تم بها الحصول على تلك التسريبات و ما صاحبها من تعدٍّ صارخ على الحرية الشخصية لمواطن موريتاني كان لا يزال في حالة صدمة نفسية وظرف إنساني استثنائي بعد الحادث, وتلك قضية يتجاوزها الكثيرون, ربما لأنهم بدافع الفضول يجدون أنفسهم منهمكين في الاستماع للتسريبات وتحليل مضمونها, و سرعان ما ينسون كيف خرجت للنور. لكن قضية التسريبات كشفت أن:

1- النظام الحالي لا يتوانى عن توظيف أجهزة الدولة لأغراضه, حتى و إن كان ذلك على حساب سمعة أجهزة محترمة كجهاز الدرك,
2- النظام لا يتورع عن خرق القوانين الموريتانية طالما كان ذلك يخدم مصالحه.

أما التسريبات نفسها – على الرغم من تهويل النظام لمضمونها – فلم يكن فيها ما يُجرِّم ولد غدّه و لا المعارضة الموريتانية و لا حتى ما يستدعي أي سِجال. ولو أن أيا منا تفحص هاتفه لوجده مليئا بدردشات عادية مشابهة لدردشة ولد غده مع أصدقاءه السياسيين و معارفه, لكن هل حاول أحدكم لمرة أن يحط نفسه مكان السيناتور ولد غده؟ هل حقا سيشعر أحدكم بالراحة لو أن النظام صادر هاتفه دون أي سبب و تجسس على صوره الشخصية و نزّل محادثاته الخاصة مع معارفه و نشرها للعالم؟
لا يختلف اثنان على أن الحرية الشخصية هي إحدى أقدس أنواع الحريات, و لا يجوز انتهاكها إلا عندما تستدعي الضرورة الملحة, و العارفون بملابسات تسريبات ولد غده يعرفون أنه لم يكن هنالك أي مسوغ يستدعي التجسس على هاتف مواطن موريتاني لم يرتكب أية جريمة, أحرى عن شيخ يتمتع بالحصانة.
ومع ذلك, فإن المتأمل في تسريبات ولد غده قد يصل إلى الاستنتاجات التالية:

1- ولد غدّه رجل وطني وسياسي محنك. لم تُظهر تسجيلاته أبدا أنه حاول زعزعة الأمن. ما أظهرته التسريبات هو شراسته في معارضة النظام, وهو أمر لم يُخفِه الرجل منذ وصول هذا النظام والإطاحة بالنظام الديمقراطي السابق,
2- ولد بوعماتو رجل وطني لم ينس بلده و لا يزال يهتم بالشأن السياسي الوطني,

3- إذا كان ولد بوعماتو تبرع بملايين قليلة من أجل مساعدة المعارضة, ألم يتبرع قبل ذلك بمئات الملايين من أجل إنجاح الرئيس الحالي قبل أن يطعنه في الظهر؟ أم أن ولد بوعماتو يكون وطنيا فقط عندما يساند النظام؟
4- المعارضة الموريتانية, على عكس ما يروج له النظام, هي معارضة وطنية بامتياز, ولا تتلقى أي دعم خارجي, بل هي فقيرة بالموارد بسبب تمكن النظام من تجفيف منابعها و محاصرتها المادية.

قد يكون خُيِّل إلى رئيس الجمهورية في لحظة نشوة بعد سماعه تسجيلات ولد غده لأول مرة أنه حصل على الرصاصة الفضية التي ستمكنه من ضرب المعارضة و إقناع شرائح عريضة من المواطنين بأن المعارضة الموريتانية, لا النظام, هي سبب مشاكل موريتانيا, لكن و على اعتبار أن كل تلك التسريبات أصلية غير مفبركة, فإنها أثبتت مرة أخرى زيف تهمة النظام, الذي طالما ادعى أن المعارضة الموريتانية هي كيان مخترق من طرف عملاء لا هم لهم سوى تدمير موريتانيا, و أن بعض أحزابها ممولة من بعض الدول و الجهات الخارجية التي تُغدِق عليها بالأموال.
لم يعد هناك من يصدق تلك الأكاذيب, وعلى العكس, فإن النظام بتسريباته لتسجيلات ولد غدّه هو بنفسه من رفع تلك التهمة عن المعارضة الديمقراطية, مؤكدا وطنيتها, و هو بنفسه من برّء ذمة ولد غدّه من حيث لا يدري, و هو بنفسه من أثبت وطنية ولد بوعماتو.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *